الشعر الفلسفي السرياني.. الملحمة القصيدة الحمراء نموذجاً

بقلم: د. حليم حنا أسمر

الشعر في حياة الأمم حياة إنسانية ثانية حياة طبيعتها فكرية موادها واقعية أو عقلية تجريدية وأحياناً رمزية! في الشعر امتحان لجديد الإنسان وإبداعه لأن الشعر يُبقي الإنسان في موقع الفاعل وموقع المتجدد. و”الشعر هو الكلام الموزون عند كل الأمم”. وهو معروف عند السريان منذ بضعة آلاف سنة قبل الميلاد، كما عند الأمم الأخرى، وأول الأشكال الشعرية تجلى من خلال الميامر وترافق هذا مع فن الغناء الشعبي ووضع آلات العزف وبالأخص القانون والطنبور. والشعر عند السريان نوعان: الأول ميامر أي القصائد (الملاحم) أما الثاني يسمى المداريش (الأناشيد) وتصاغ على أوزان مختلفة “تسمى البحر” وألحان شتى بلغ عددها الخمسمائة دبجها مار إفرام واستنبطها برديصان (222+) وهناك أيضاً ستة أنواع من الشعر هي: “الميمر والمداريتش والسوغيث، والقال، والمعنيت، والعنيان…” (1). والجدير ذكره أن الشعر السرياني لم يقف حتى القرن العاشر وهذا ماالتزم به ابن المعدني البطريرك وابن العبري والشيخ خميس القرداحي وعبد يشوع الصوباوي ومن أهم البحور المستخدمة أربعة بحور: 1- البحر الافرامي 2- البحر السروحي 3- البحر القوقي (مار شمعون القوفي) ومعناه الخزاف 4- البحر المتساوي. ويُرجع الأستاذ يعقوب فتح الله طورو تطور الشعر السرياني إلى ما قبل المسيح من وافا الآرامي إلى أحيقار إلى مار أفرام السرياني إلى مار يعقوب السروجي إلى القوقيين وأنطون الفصيح إلى ابن المعدني وابن العربي إلى نوح اللبناني والصوباوي، سلسلة ذهبية متصلة الحلقات إلى عصرنا هذا. ومن نافلة القول أن نعرف المُعرف، والمُعرف يُعرف الناس به، فكيف إذا كان المفريان الخالد يوحنا ابن العبري (1226-1286) الذي لا يذكره السريان فقط إنما والعالم كله وبأسره وبالأخص في مزاجه الحضاري وروحه الموسوعية المتعددة الإبداعات والمخصبة الأفكار في عهد ساد بها ظلام القرون على بلاد أوربا وأشرقت شمس الإنتاج الفكري السرياني – العربي في حواضر الشرق ومدنه. وجوانب إبداع ابن العبري متعددة ومتنوعة ومتداخلة ومتعاضة التواشج، وقرّظه لويس شيخو قائلاً « فلا تكاد تجد بعده كاتباً يذكر» وهذا القول رأي لويس شيخو الخاص لتعمقه بدراسته، ويقول أحد علماء المسلمين في مراغة: « لم أسمع أبا الفرج يُفسر مسألة إلا تخيلت أرسطو نفسه متكلماً شارحاً فلله دره حكيماً مدققاً وفيلسوفاً محققاً» وشملت كتبه جوانب دينية ولاهوتية وكتب فلسفية ومنطقية وكتب تاريخية وطبية ولغوية وشعرية. سأركز اهتمامي بعالم ابن العبري الشعري، ويبدو أن هذا المجال خصّه المفريان بأوقات طويلة خلا بها مع ذاته ومع العالم وتاريخ الحضارة الإنسانية ناسجاً عالمه الشعري من حكمته وفلسفته، وكي أكون أكثر تواضعاً وإصغاءً لإبداعه الشعري أخصص هذه الصفحات للدخول بخشوع وعطش إلى ملحمته الخالدة “الحكمة الإلهية” وكان أول من اهتم بها الأديب الماروني جبرائيل الصهيوني لأول مرة في باريس 1626. ثم جدد طبعها يوحنا بطين اللبناني الماروني في رومية سنة 1880 وشغف بها العلامة الكبير المرحوم بطرس البستاني وحاول أن يخرجها إلى العربية نظماً لكنه لم ينجز منها سوى 27 بيتاً عربياً مكتفياً بذلك لكثرة شواغله، ومن أتى على وصفها وأجاد المرحوم ميخائيل حكمت جقي محرر مجلة الحكمة في دير الزعفران 1913 بقوله: ” هي أشبه بغزل ابن الفارض عند قوم ونشيد الإنشاد عند آخرين. وتجربة ابن العبري الشعرية تتجلى من خلال ديوانه الشعري الذي يحوي ثلاثين قصيدة ومقطّعات نيفاً ومائة تتراوح بين البيتين والعشرة وموضوعاتها الوصف والحكم والإخوانيات والمديح والذم والرثاء ومعظمها على البحر السروجي(2). ومن موضوعاتها أيضاً: فراق الصديق والاعتذار إليه، وعلاقة المسيحيين مع الآخرين، ومحبة العلم وتطهير النفس، وفي خطاب النفس (نونية)، وفي الإبداع واختلاف مذاهب الناس وطبيعة النفس الناطقة (يائية 96 بيتاً)، في المحبة الإلهية وقد مثلها بالخمرة (بائية 60 بيتاً). وتوبيخ الحكمة للجاهل، وقصيدة فلسفية في الكمال (بغداد 1277 جاءت في 305 أبيات) بالإضافة إلى وصف الربيع والورد والمدح والرثاء والحِكم وخصوصاً الحكمة الإلهية وأبياتها 160، بالإضافة لوجود بعض الأبيات الضعيفة في ديوانه ( وقد تعود إلى بداياته الشعرية) ويحتوي الديوان أيضاً على قصيدتين افراميتين إحداهما في الثالوث الأقدس والثانية عقائدية تاريخية مطولة تعود لسنة (1282) جواباً إلى تليق دنما الأول. التعمق في موضوعات قصائد هذا الديوان عهد للحكم الموضوعي على الطبيعة الفلسفية لمعظم قصائده وهذا يعود لتبحره في الفلسفة ومناحيها وتجاربها، وبهذا نسلم بما قاله المطران بهنام عن ابن العبري أنه “شاعر فلاسفة السريان وفيلسوف شعرائهم” (3). ويقسم بهنام شعر ابن العبري عشرة أقسام هي: 1- المحبة والإخوانيات 2- الرثاء. 3- المدح 4- الهجاء 5- جمال الطبيعة 6- الأخلاق 7- النفس 8- الفلسفة 9- التصوف 10- العقائد

الإعلانات

التعليقات مغلقة.

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: