“القسطنطينية وأيا صوفيا وبائع البطيخ القذر”بقلم : غسان الشامي


من بديهيات التاريخ سقوط الامبراطوريات وموت الأباطرة والبطرانين ، ومن بديهيات العلم قراءة تاريخ الأمبراطوريات والدول في السياسة والعسكر والعمران والثقافة والفكر.
لكن مع بائع البطيخ الأخونجي المنافق رجب طيب أردوغان تختلف الأمور، لأنك أمام حامل إرث إيديولوجي مذهبي مغرق بالتخلف والتعصب ووهم الماضي القذر الذي ألبس رداء سلطانياً مجبولاً بالحقد وأكذوبة التفوق. 
ذات تقيؤ مقيت قال بائع البطيخ “كان في التاريخ التركي شاب تولى إنهاء حضارة سوداء وتدشين حضارة جديدة عريقة عندما فتح اسطنبول وهو محمد الفاتح”.
يقصد طبعاً القسطنطينية ، وهذا هو اسمها ، على اسم الإمبراطور الذي بناها، لأنه لا يمكن للمنادي ” يا بطيخ” مهما علا صوته أن يزوّر التاريخ وينهب خزائنه، أما وصف الحضارة البيزنطية بـ ” السوداء” فهو ينطبق على السفاح السلطان محمد وسلالته التي لم يمت منها “سلطعان ” واحد موت ربه، ولم يحج واحد منهم إلى كعبة المسلمين.
حتى يجلس التاريخ على كرسيه الحقيقي لا على قَلْبَق التركي المتموضع على رأس محشو بالتبن لا بد من وصف بيزنطة والقسطنطينية التي بقيت عاصمة العالم لألف عام .
أرغب في التوضيح أولاً أنني لا أحب البيزنطيين ، وأعتبر أنهم امبراطورية احتلال ساهمت إلى حدٍّ كبير في تحجيم دور الآراميين السريان المسيحيين ، أهل هذا المشرق، وإيذاءهم وملاحقتهم وتشريدهم ، خلال فترات مختلفة، وهذا ما جعلهم يرحبون بالعرب ، على قول المؤرخ غريغوريوس ابن العبري ” خَلّصونا من جور البيزنطيين”، لكن هذا لا يمنعني أبداً من إعطائهم حقهم في صياغة الحضارة البشرية ودورهم الريادي في العمران والثقافة والفلسفة والقانون.
بنى الامبراطور قسطنطين مدينته، التي أصر الناس على تسميتها بالقسطنطينية، مكان مستعمرة يونانية قديمة اسمها بيزنطة ( أعطت اسمها للامبراطورية ) أنشئت عام 650 ق.م ، وأدخل فيها التلال السبع بين بحر مرمرة والقرن الذهبي، وفي جنوبها الشرقي بنى قصره الامبراطوري وسمّى الساحة المستطيلة العامة التي غطى أرضها بالمرمر وأحاطها بالمنشآت العامة “ساحة أوغسطس” وغربها الملعب الكبير الذي أضحى مسرحاً للسياسة والحياة العامة ،وفيها” لوج ” للامبراطور في وسطه عرش يطل منه على الناس ، وجاء بمسلات فرعونية وبعمود نحاسي مربع ، ووضع تمثالاً له وآخر لوالدته، وبنى كنيسة سماها (Hagia Sophia) ، غير الكنيسة الحالية احترقت مرتين واندثرت ، وبنى مجلساً للشيوخ وقصراً للبطريرك، وافتتح المدينة عام 330 للميلاد ، لتكون عاصمة الامبراطورية ، بشكل لم يضارعها في أهميتها سوى مدن قليلة ، وفي مكان جعلها ذات مركز استراتيجي عند التقاء أوروبا وآسيا متحكمة بطرق المواصلات بينهما وبالطريق البحري بين الأسود والمتوسط ، وعلى تماس وتفاعل مع الحضارة الهلنستية..وقد بنيت على نسق روما، لتكون روما الجديدة.
بعد قرن من إنشائها زاد عدد سكانها على سكان روما، وفي القرن السادس بلغ عددهم داخل الأسوار نصف مليون نسمة.
ولأن أردوغان وأتباعه من الحمقى المتعصبين، فإنهم لا يعرفون أنه قبل أن يأتي جدهم البربري أرطغرل بألف عام، كان سكان القسطنطينية يحصلون على الخبز مجاناً وكذلك على النبيذ والزيت ، وكان الدخول إلى المسارح والملاهي مجانياً أيضاً ، حيث نقل قسطنطين إلى عاصمته الثروات والتحف وشيّد فيها العمارات والكنائس وبات الحضور المسيحي طاغياً، حيث تبدى انتصار الأثر الشرقي في الحضارة البيزنطية، وكانت تعجّ بالمدارس .المدرسون ينتخبون ، ويجب أن يكون المدرس طيب الخلق حسن السيرة ، ( غير أخونجي أو بائع بطيخ) طبعاً،
وكان الأولاد يتبعون المدارس الوسطى. التي تعلم الحضارة القديمة: هوميروس، الهندسة، البلاغة، الرياضيات، الكتابة ، وكانت الفلسفة تتضمن اللاهوت والرياضيات، الموسيقى، علم الفلك، الطبيعيات . 
عرفت القسطنطينية أكثر من مؤسسة جامعية،وكان للبطريركية تعليم جامعي. لكن الجامعة التي أسسها قسطنطين أضحت أعرق جامعات العالم القديم تولّى التدريس فيها واحد وثلاثين أستاذاً درّسوا النحو والبيان والقانون والفلسفة ، وكان للجامعة مبنىً مستقل مجهز بقاعات للمحاضرات ومدرجات ويمنع على الأساتذة إعطاء الدروس الخصوصية للطلاب في منازلهم ، بل يكرسون وقتهم للجامعة ويتقاضون بدل ذلك مرتبات من الخزانة العامة.
كما عرف البيزنطيون علم الحيوان من الناحية التطبيقية وعلم النبات التطبيقي اي استعمال النبات في الطب والصيدلة. وأخذوا الخيمياء عن سترابون وطبقوها في المعادن والصبغة والأدوية والزجاج، وأسسوا المستشفيات وصار للأطباء تعليم نظامي وتعززت مواردهم،
ولم يسمع أردوغان طبعاً بقانون تيودوسيوس الذي يقع في 16 كتاباً تعالج شؤون الدولة والحكومة والدواوين والعسكر والدين، أو بتصنيف جوستينيان الذين حققته لجنة من كبار الأكاديميين استخلصت من ألفي كتاب خمسين كتاباً اتخذت اسم “المختار” باتت مرجعاً قانونياً.
ولأن الأخوان المسلمين لايعرفون سوى الكره والقتل والحقد وإلغاء الآخر ، لم يسمع أردوغان بانتشار الأحزاب حسب الألوان في بيزنطة، وهي أحزاب الملعب وجمهورها من المتسابقين الرياضيين ، وهي الحزب الأخضر الذي يرمز للتراب والحزب الأزرق (الماء) والحزب الأبيض(الهواء) والحزب الأحمر(النار) ، وكانت الأحزاب تمتلك الموارد المالية والأفراس والعربات ، ثم باتت أحزاباً سياسية واجتماعية ودينية وطبقية، حيث بات حزب الزرق حزباً للطبقات العليا وحزب الخضر للطبقات الدنيا.
يقول المؤرخ الروسي أوستروغوروفسكي “يرجع إلى بيزنطة الفضل في المحافظة على روائع الآداب القديمة والاهتمام الشديد بالقانون الروماني والحضارة اليونانية ..ولم تنكر بيزنطة المسيحية الفن والعلم الوثني ، إذ ظل القانون الروماني أساس نظامها القضائي وظل الشعراء والمؤرخون اليونانيون المثل والنموذج بل أن تعاليم الكنيسة انطوت على قدر كبير من تفكير الفلاسفة الوثنيين”.
ما فعله الترك هو احتلال هذه المدينة وإنهاء الامبراطورية البيزنطية، التي شاخت واختلفت على جنس الملائكة..وهذا من طبائع نشوء الامبراطوريات وسقوطها، لكن ماذا أضاف الترك منذ احتلالهم البربري الأناضول ودخولهم القسطنطينية غير نموذج سلطانهم محمد البربري الذي طلب الفتوى من مفتيه محمد شمس الدين حمزة وحوّل أيا صوفيا إلى مسجد، ونشر كذبة فيما بعد بأنه اشتراها بماله ، لذر الرماد في العيون، من دون وثيقة أو ذكر من باعها له، أو من يحق له بيع إحدى أكبر كاتدرائيات العالم ورمز الحضور المسيحي لألف عام ؟! 
السؤال : ماذا قدمت سلطنتهم سوى ثقافة الخازوق والحريم وقتل ذوي القربى في السلطة ، وذبح الأرمن والسريان والآشوريين واليونان والسوريين ، وتعميم الجهل والانكشارية الوسخة؟!!
أيا صوفيا:
بدأ الأمبراطور جوستنيان ببنائها عام 532 عند مدخل البوسفور متوخياً فرادتها، فكلّف المهندس إيزيدور الميليسي وأنتيموس التراليني بالتصميم والبناء ( ولا أعتقد أنهما يمتان للخان والصدر بأي صلة) ، فأتت كتتويج للمعمار البيزنطي على الطراز البازليكي ، مع وجود قبة في المنتصف على جزء مربع( في تقليد للقبة في كنيسة إزرع، لكن بشكل أكبر)، واستغرق البناء 5سنوات.
يبلغ طول المبنى الرئيسي 82 مترا، وعرضه 73 مترا، وارتفاعه 55 مترا، ويُدخل إليه من تسعة أبواب. وقد غُطي سطحه بأحجار الفسيفساء، ويبلغ ارتفاع القبة 55.6 مترا( متجاوزة ارتفاع كنيسة مار سمعان العمودي التي بلغت 48 متراً) وقطرها 32 مترا، وقائمةً على أربعة أعمدة ضخمة يصل ارتفاع كل منها 24.3 مترا. هذا إضافة إلى جدران بُنيت من الرخام المستجلب من بلدان عديدة، وزُينت بالفسيفساء الذهبية اللامعة والأحجار الملونة.
أما مذبح الكنيسة فبلغ طوله 14 قدماً كان فيه من الذهب والجواهر الثمينة ما لا يقدر بثمن ، سرقها الترك بالطبع..حفاظاً على الإرث الإنساني الحضاري وإرث اللصوصية (!!!).
ورد في دراسة لمعهد تاريخ العمارة ونظرياتها، التابع للمعهد الفدرالي العالي للتقنية في زيورخ:
إن بناء هذا الصرح المعماري الكبير كان يعتمد على شكل مبسط للغاية يعتمد الشكل الهندسي “المربع” في جوهره، مركب عليه مربع آخر ولكن بزاوية ميل مختلفة ليتمكن المصمم من رسم دائرة يمر محيطها برؤوس المربعين، التي تصل إلى ثمانية وهي في الأصل الدائرة التي تم تصميم القبة الرئيسية الكبيرة عليها. وإن اختيار المربعين المتعامدين كان للحصول على دائرة أبراج النجوم السماوية، ومركزها القطب الشمالي للأرض، ثم هبط الرسم الأصلي بأربعة أعمدة تحمل أطراف القبة من الدائرة التي ترتكز عليها، في إشارة إلى الجهات الأصلية الأربع. وأن ربط الخطوط التي تصل بين رؤوس زوايا القبة والقاعة التي تغطيها وما حولها من غرف يعطي رسماً مطابقاً لعلامة “لانهاية” الرياضية، التي عرفها الفلكيون القدامى بحركة دوران بعض النجوم والكواكب..فهل تحت الطربوش التركي بعض هذا الذكاء وهذا العلم وهذه المقاربة ؟!.
هناك دراسات كثيرة عن أيا صوفيا، لمن يريد الاطلاع، لكن بالعربية دائماً تظهر محاولة الأسلمة إما فجة أو مداورة، بمعنى أنها باتت مسجداً وأن محمد الملقب بالفاتح، وهنا كلمة فاتح في غير مكانها ، بل هو محتل وقاتل.
أيا صوفيا كنيسة – كاتدرائية- بازليك ، لا يمكن لأي بائع بطيخ أو شاورما تغيير هويتها، ومعمارها وأيقوناتها تدل عليها، وهي ليست متحفاً ، بل كنيسة وجزءاً باهراً من التراث الإنساني للبشرية جمعاء، أما سكوت المسلمين والعرب عن فعلة بائع البطيخ بأيا صوفيا فستؤسس لسابقة يفعل فيها بائع القتل الاسرائيلي فعلته لتغيير معالم وهوية المسجد الأقصى.
أعرف أن العرب سيسكتون ويقفلون أفواههم لأنهم أجبن من مواجهة التركي المتأسلم،.. بحجة الإسلام..أما الغرب فهو كاذب حتى انقطاع النفس، وسيكتفي رسمياً بالبيانات ، بيد أن نار أيا صوفيا ستنكأ جرحاً لدى المسيحيين ، يعمّق صراع الأديان ويغضّن انتظار انتقام ما.
هكذا يخلق الكذبة والمتعصبون الحروب ، ولنتذكر جيداً أن إحراق كنيسة القيامة على يد زبانية الحاكم بأمر الله كان أحد أسباب الحروب الصليبية .
بئس المتعصبين وسحقاً للساكتين وتفاً على المتترّكين.
11/72020
*لمن يريد الاطلاع عليه بالمراجع:
Ostrogotowaski: History of the Byzantine state
Vasiliev: Byzantine Empire
Tillemont: Histoire des Empreures
الدولة البيزنطية : الدكتور السيد الباز العريني.
الروم: أسد رستم

التعليقات مغلقة.

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: